أهم أعمال عثمان بن عفان رضي الله عنه الاجتهادية

من أهم أعماله الفقهية والاجتهادية كتابة المصحف وجمع القرآن، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة، وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أُبَيّ وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك. فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلاً رجلاً، فناشدهم لسمعت رسول الله صلى الله علية وسلم وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله علية وسلم زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد. فكتب زيد، وكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد يقول: قد أحسن.

وسبب ذلك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالمصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان المصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

ولا يخفى على أحد أهمية هذا الفعل الذي فعله عثمان رضي الله عنه من جمعه للناس على مصحف واحد، فَوَقَى المسلمين رضي الله عنه شر فتنة الاختلاف، ولقد لاقى هذا الفعل تشجيعا واستحسانا من جموع الصحابة رضوان الله عليهم بل قد رأينا أن منهم من أشار على عثمان رضي الله عنه بهذا الأمر، يقول علي رضي الله عنه: “رحم الله عثمان، لقد صنع في المصاحف شيئًا، لو وليت الذي ولي قبل أن يفعل في المصاحف ما فعل لفعلت كما فعل”.

ويقول مصعب بن سعد رحمه الله: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم متوافرين حين شفق عثمان رضي الله عنه المصاحف فأعجبهم ذلك، وما رأيت أحدًا منهم عاب ما صنع، وسمعت رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم يقولون: لقد أحسن.

ورحم الله ابن المهدي إذ يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر وعمر: صبره على نفسه حتى قتل مظلومًا، وجمعه الناس على المصحف.

الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان

قال ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حَمَلَتُه؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآياته وسوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله علية وسلم، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرءوا بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجًا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع قراءته بلغة غيرهم رفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت،

فاقتصر على لغة واحدة، وكانت لغة قريش أرجح اللغات، فاقتصر عليها.

من حِكَمه البليغة التي سادت وعمت:

1- قال رضي الله عنه: “لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر في المصحف”.

2- “ما أسرَّ أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه”.

3- “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

4- “هَمُّ الدنيا ظلمة في القلب، وهَمُّ الآخرة نور في القلب”.

5- “يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك”.

ومن كتبه رضي الله عنه:

1- أول كتاب كتبه عثمان إلى جميع ولاته: “أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أن يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو الذي تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء”.

2- وكان أول كتاب كتبه إلى قادة الجنود: “أما بعد، فإنكم حماة المسلمين، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان على ملأ منا، ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم ويستبدلكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه”.

3- وكان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج: “أما بعد، فإن الله خلق بالحق فلا يقبل إلا بالحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به، والأمانة قوموا عليها ولا تكونوا أول من يسلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خَصْمٌ لمن ظلمهم”.

4- وكتاب إلى العامَّة: “أما بعد، فإنكم إنما بلغتم بالاقتداء والاتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن، فإن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: الْكُفْرُ فِي الْعُجْمَةِ، فَإِذَا اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِمِ أَمْرٌ تَكَلَّفُوا وَابْتَدَعُوا”.

وهذه النماذج من كتبه لا تورد في هذا المقام من ناحية البلاغة والبيان مستقلة عن مواضعها ودواعيها، ولكنها تورد قبل كل شيء لأنها مع ما تبديه من بيانه تبدي لنا أسلوب الخليفة الثالث في علاقته برعاياه من خلال أسلوب الكتابة والخطابة.