النهي عن البول في الماء الدائم

عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه) متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب).

*    *       *

هذا الحديث العظيم فيه مسائل مهمة في طهارة الماء، نفصلها في الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: قوله – صلى الله عليه وسلم-: (لا يبولن) اللام هنا للنهي.

قوله: (الذي لا يجري) تفسير للدائم، وهو المستقر في مكانه، كموارد المياه، والغدران في البرية، وذكر (الذي لا يجري) مع أنها تفسير للدائم، قيل إنه احترز بها عن راكد يجري بعضه.

الوقفة الثانية: في هذا الحديث نهى النبي – صلى الله عليه وسلم- عن البول في الماء الدائم، الذي لا يجري، وغيرها، وهذا النهي لحكم عظيمة، منها أن لا تتنجس هذه المياه، وما قد يحصل لها من التلوث، وما تخلفه تلك النجاسات من أمراض تنتشر بين الناس عند استعمالها.

الوقفة الثالثة: يستنبط من هذا الحديث أيضاً النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، سواء بغمس الجسم أو بعضه فيه.

الوقفة الرابعة: يفهم مما سبق أن الماء إذا كان جارياً فلا بأس من الاغتسال منه، ولو بالغمس، كالأنهار، والبحار، ونحوهما، وكذا التبول فيها؛ لأن هذه النجاسة لا تخلف آثاراً غير سليمة، لكن الأحسن والأفضل تجنيب البول تلك المياه، وقد يسبب تكاثر النجاسات على تلك المياه أضراراً مع طول الزمن، ثم إن التبول في تلك المياه مخالف لآداب الإسلام في قضاء الحاجة.

الوقفة الخامسة: عرفنا في هذا الحديث النهي عن البول في الماء الراكد، ثم الاغتسال منه. هل هذا النهي للتحريم، بحيث لا يجوز الاغتسال منه، أم للكراهة، فإن فعل ذلك صح وكره؟

اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال إنه للكراهة مطلقاً، وهم المالكية، ومنهم من قال إنه للتحريم، وهم الحنابلة والظاهرية، ومنهم من قال إنه محرم في القليل، مكروه في الكثير.

والذي يظهر لي – والله أعلم – أن ظاهر النهي التحريم في القليل والكثير، كما ذهب إليه الحنابلة ومن تبعهم، لكن يخص من ذلك المياه المستبحرة، باتفاق أهل العلم، فلا يشملها النهي.

الوقفة السادسة: هل الماء الذي يبال فيه، باقٍ على طهوريته أم ينجس بهذا البول؟

والجواب عن ذلك يختلف باختلاف تغيره بالنجاسة وعدمها، وبقلته وكثرته، فإن كان متغيراً بالنجاسة، بلون، أو طعم، أو ريح، فلا خلاف بين أهل العلم في نجاسته، سواء كان قليلاً أو كثيراً.

وإن كان غير متغير بالنجاسة، وهو كثير فلا خلاف أيضاً بين أهل العلم أنه طاهر، لكن للعلماء آراء في تحديد هذا الكثير.

وإن كان غير متغير بالنجاسة وهو قليل فللعلماء في ذلك رأيان: أحدهما أنه يعتبر غير نجس، وهذا ما ذهب إليه جمع من الصحابة، والظاهرية، والمالكية، واستدلوا بما رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء).

وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-.

والقول الثاني: وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء أن الماء القليل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير لظاهر النهي في هذا الحديث. لكن الصواب – والله أعلم –  ما ذهب إليه الأولون، وهو أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه، ولو كان يكره فعله – كما سبق بيانه-.

الوقفة السابعة: استنبط بعض أهل العلم من هذا الحديث النهي عن كل شيء من شأنه الاعتداء والأذى على الآخرين، أو ما يعكر عليهم مياههم، أو يكره إليهم غذاءهم، فالإسلام دين الطهر والنظافة.